عبد الملك الجويني
369
نهاية المطلب في دراية المذهب
تقدير الإجارة من مثل هذه المسافة أن يمر بالأجير زمانُ حجٍّ ، وهو في الطريق ، فلا منع والإجارة سائغةٌ ، وذلك الحج القريب ، إذا لم يكن ممكن الحصول ، فلا حكم له ، والنظر إلى تواصل السير ، وهو من عمل الأجير ، وإن لم يكن مقصود المستأجِر . ولو استأجر رجلاً بعينه ليحج عنه ، وأطلق الإجارة الواردة على العين ، وكان الزمان الباقي من السنة بحيث يسع الحجَّ على يسر ، فالإجارة المطلقة صحيحة ، وهي محمولةٌ على الإجارة المقيّدة بحجة هذه السنة ، فإن اتفق إيقاع الحج ، فذاك ، وإن أخرها الأجير ، ولم يخرج ، انفسخت الإجارة ، كما لو تقيدت بحجة ( 1 ) هذه السنة ، فالمطْلَقةُ مُنَزَّلةٌ على حكم المقيدة ، وإذا حكمنا بالانفساخ ، لم يخْف أن الأجير لو أتى بالحجة في السنة الثانية ، لم تقع عن المستأجر . فهذا تفصيل القول في تصوير الإجارة الواردة على العين . 2748 - فأما الإجارة الواردةُ على الذمة ، فتصويرها هيّن ، وذلك أن يقول المستأجر لمن يخاطبه : ألزمتُ ذمتك حجةً تُحَصِّلها بكذا ، فهذا جائز ، وهو مطّردٌ في جملة الأعمال المنتحاة المقصودة بالإجارة . ثم هذا القسم ينقسم إلى مقيد بالتأخير ، وإلى مقيّدٍ بالتعجيل ، وإلى مطلق . فأما المقيد بالتعجيل ، فهو سائغ ؛ فإنه لا يمتنع ثبوتُ الشيء على حكم الدَّين حالاًّ ، والدَّين ينقسم إلى الحالّ ، والمؤجل . ثم إذا كان الأمر كذلك ، فإن اتفق الوفاء بتحصيل الحج في الأمد المضروب ، فهو المراد . وإن لم يحصِّل الملتزم ما التزمه في ذلك الوقت المعين ، فقد ذكر الأئمة طريقين : أما العراقيون ، فقد قطعوا القول بأن الإجارة لا تنفسخ ، ولكن المعضوب المستأجِر يتخير في فسخ الإجارة ؛ من حيث تعذر حصول مقصوده في الوقت المضروب ،
--> ( 1 ) ( ط ) : حجة .